محمد
الربية بعد 20 عاماً على رحيله..
آثارٌ
باقية وجهودٌ لا تنسى
فؤاد مسعد
كان يوم الـ28
من أغسطس 2002 (قبل عشرين سنة) يوماً استثنائياً في مديرية دمت، ومحافظتي الضالع
وإب، خاصة لقريتنا (خاب) التي اكتظت ساحاتها بحشود كبيرة لم تستقبل مثلها من قبل،
ذلكم هو يوم رحيل واحد من أعلام اليمن، إنه الشيخ الجليل والخطيب الأديب والأستاذ
المربي والمصلح الاجتماعي الحكيم والسياسي المثقف الراحل/ محمد مثنى الربية- رحمة
الله عليه.
ولا زلت أتذكر
يوم الرحيل حينما امتلأت مقبرة القرية والساحات المحيطة بها بآلاف المشيعين الذين
توافدوا من كل حدبٍ وصوب، كنت أشعر أن وجود هذه الجموع الكبيرة في قريتنا خير عزاء
لنا في ذلك المصاب، فالراحل العزيز آثر قريتنا على غيرها، وأوصى بأن يدفن فيها، وكان
ذلك درساً بالغ الأثر في الوفاء للناس الذين أحبهم وأحبوه، وقتها غادرتني لوعة
الحزن والأسى إلى حين.
وعلى الرغم من
مرور عقدين من الزمان على رحيله، فلا يزال يحتل مكانة عالية في قلوب رفاقه ومعارفه
في كل مناطق اليمن عامة، وأبناء منطقة دمت خاصة، سيما أولئك الذين تعرفوا عليه عن
قرب، أو استمعوا إلى محاضراته وخطبه ومواعظه، ومن تتلمذوا على يديه وتأثروا بأفكاره
الواعية ونهلوا من علمه الواسع، وقد ظل حريصاً على بذل الجهود فيما ينفع الناس،
علماً نافعاً وعملاً صالحاً وكلمة صادقة وذكرى طيبة الأثر.
مطلع
الثمانينيات كانت دمت خارجة من صراعات دامية، ضمن الصراعات التي شهدتها المناطق
الوسطى، وكان وجود الدولة ضعيفاً حينها، إن لم يكن غير موجود، كما أن المدينة
نفسها كانت أشبه بقرية كبيرة، خالية من أي وجود لمؤسسات الدولة وخدماتها الأساسية،
وبدأت بعض مظاهر الدولة تتشكل رويداً رويداً، بعدما توقفت الحروب وإقامة الحوار
بين القوى السياسية باتفاق قيادتي الشطرين في صنعاء وعدن، وفي منتصف الثمانينيات
كان ثمة تغير قد أخذ يفرض نفسه، وحضرت بعض المؤسسات الحكومية سيما الإدارة المحلية
والشرطة وإدارة التعليم بعدما تم تأسيس مدرسة في المدينة وعدد من المدارس في بعض
قرى المديرية، بجهود بذلها التربوي الراحل/ علي محمد الماطري، أول مدير للتربية
والتعليم في دمت، رحمه الله.
في تلك الفترة
كان الأستاذ محمد الربية المولود في العام 1956، قرية المعزوب- الرياشية، شمال شرق
مدينة دمت، قد عاد من الغربة في المملكة العربية السعودية واستقر في مدينة دمت،
وبدأ يكثف جهوده في نشر الدعوة وتعزيز الوعي والتشجيع على التعليم والمشاركة
الإيجابية الفاعلة في المجتمع، وهي الأفكار التي طالما جسدها بسلوكه ومواقفه
وزياراته المستمرة للقرى والمديريات المختلفة، وقد أنشأ مكتبة بلال (تجارية) لبيع
الكتب والمجلات والأشرطة، كانت في ذلك الوقت مصدراً رئيسياً للحصول على الكتاب
النافع والشريط المفيد، وغدت المكتبة بمثابة مركز ثقافي لنشر الوعي والمعرفة.
ما زلت أتذكر
زياراته لقريتنا التي احتلت مساحة واسعة من نشاطه وزياراته، وطالما أعلن عن حبه
للقرية وتعلقه بها، وحين يحضر كنا نتسابق للسلام عليه والاستماع إليه وهو يلقي
الدروس التي لا تخلو من تبسيط وتوضيح، وغالباً ما يضمنها الأبيات الشعرية المعبرة
والقصص الهادفة والنكات والتعليقات الطريفة وما أكثر ذلك في أحاديثه ودروسه
ومحاضراته، الأمر الذي زاد من إقبال الناس عليه، حتى أن كثيراً من أبناء القرى
كانوا يحرصون على حضور خطبة الجمعة التي اعتاد على إلقائها في الجامع الكبير
بمدينة دمت، واستمر على ذلك حتى وفاته.
كنا نترقب وصول
سيارته إلى القرية، فنسارع إلى المسجد لاستقباله، وهناك يبدأ في الحديث معنا وسؤالنا
عن أحوالنا والدراسة، وفي بعض الأوقات كان يجري بيننا مسابقات ويمنح الفائزين بعض
الجوائز القيمة، وفيما بعد صرنا نعرف
بمواعيد زياراته القادمة من خلال صديقه المقرب، وأستاذنا القدير الذي يكاد يكون
نسخة منه، الوالد والمربي الراحل أحمد عبدالله منصور، رحمة الله عليه، إمام مسجدنا
وأول معلم لنا، وافاه الأجل في نفس الشهر الذي رحل صديقه ورفيق دربه (شهر أغسطس)
من العام 2018، رحمة الله عليهما، حيث كان يبلغنا أن الأستاذ محمد سوف يزورنا،
فنبادر نحن للاستعداد بان نكون في المسجد قبل موعد الصلاة حتى نحظى بفرصة السلام
عليه والاستماع للحديث الذي يكون فيه ودوداً وبشوشاً، وليس فيه موعظة أو درس من
تلك الدروس التي كنا نرى أنها تعني المستمعين الكبار في السن، أما نحن فيكفينا
المسابقات والجوائز والاستماع إلى صوته وهو يقرأ القران الكريم عذباً ندياً بصوته
الحسن وإجادته أحكام التلاوة والتجويد التي بدأنا نتعلم ما تيسر منها، وكان يحرص
في بعض الزيارات أن يسمع منا ما تعلمناه على يد
رفيقه.
استمرت جهوده في
الدعوة ونشر العلم في المنطقة والمناطق المجاورة، وتكللت جهوده لاحقاً في تأسيس المعهد
العلمي في العام الدراسي 1987-1988، وهو معهد
زيد بن حارثة، وظل هو مديره حتى جاءت انتخابات البرلمان (مجلس الشورى)، فترشح
الأستاذ حينها وكان هو الفائز فيها، وأصبح يمثل دمت في البرلمان الذي استمر حتى
قيام الوحدة بعد ذلك بنحو عامين، وشكّل مجلس الشورى في الشمال مع مجلس الشعب في
الجنوب مجلساً جديداً موحداً هو مجلس النواب، أول برلمان لليمن بعد الوحدة.
بعد انتخابه
لعضوية مجلس الشورى، تسلم إدارة المعهد الأستاذ القدير (الدكتور حالياً) سعد مثنى
الربية، شقيقه الذي كان – كما أثبتت الحوادث فيما بعد، خير خلف لخير سلف، ومع أن
الأستاذ محمد لم يقطع صلته بمنطقته ولا بما كان يقوم به من جهود في سبيل الدعوة
وخدمة المجتمع، فقد كان لحضور الأستاذ سعد الأثر الكبير في إبقاء جذوة الخير
والصلاح مشتعلة، خاصة وأن للأخير تجربة فريدة في العمل من خلال المجلس المحلي
للمديرية، وكان جديراً بثقة الناس بما لديه من خبرة ومعرفة وقدرة على الإدارة
والقيادة الناجحة.
ويعدّ الأستاذ
الربية أحد مؤسسي التجمع اليمني للإصلاح، وانتخب لعضوية مجلس الشورى في مختلف
دورات المؤتمر العام للحزب، كما أنه رأس المكتب التنفيذي للإصلاح في محافظة إب،
وبعد تأسيس محافظة الضالع في العام 1998، انتُخب رئيساً للمكتب التنفيذي للإصلاح بالمحافظة،
واستمر رئيساً للمكتب حتى وفاته.
وقد أسهم من
خلال مواقعه المختلفة في خدمة المجتمع وترسيخ الوعي الديني والوطني بما يمتلكه من
ذخيرة معرفية وثروة في الفقه والثقافة والأدب والتراث والفكر الإسلامي، علاوة على
كونه ظل يجسد الالتزام وعياً وموقفاً وسلوكاً، فلا تكاد تخلو منطقة من المناطق إلا
وله فيها ذكر طيب وأثر محمود، وهو ما جعله محل تقدير وعرفان من جميع الفرقاء بما
في ذلك خصومه في معارك السياسة، فهو لم يكن يصدر عنه موقف متعصب ولا خطاب متطرف،
بل كان داعيةً للخير ورمزاً للوسطية والاعتدال والتسامح، وكانت محاضراته القيمة
وخطبه المؤثرة وزياراته التي لا تنقطع تجسيداً لإخلاصه لقضيته التي آمن بها وضحى
في سبيلها، حتى وافته المنية قبيل فجر الثامن والعشرين من أغسطس، 2002، اليوم الذي
غدا واجماً حزيناً بعدما تنامى إلى محبيه النبأ الأليم، وحانت لحظة الفراق الحزينة
التي أبكت المفجوعين برحيله وما أكثرهم.
نسأل الله تعالى
أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته ويجزيه عن وطنه وأمته وتلاميذه خير الجزاء.
تعليقات
إرسال تعليق