في تواريخ
الشعوب وحياة المجتمعات ثمة حوادث شاذة تقع خارج سياق التراكم التاريخي، وعلى
النقيض من حركة التطور المتلاحقة والتغيير المأمول، منها ما شهدته اليمن في 21
سبتمبر/ايلول من العام 2014 عندما سقطت العاصمة صنعاء في قبضة جماعة الحوثي
ومليشياتها، وما تبع ذلك من انهيار للدولة وجميع مؤسساتها، بدءا بالانقلاب على
السلطات الشرعية ومحاصرة رئيس الجمهورية والوزراء وكبار مسؤولي الدولة وإغلاق
وسائل الإعلام وتعطيل الحياة السياسية، وصولا إلى إعلان الحرب الشاملة ضد اليمنيين
في جميع المحافظات من قبل الجماعة التي تتهم كل من يرفض توجهاتها بأنه داعشي
وقاعدي وتكفيري.
ومنذ عامين وهذا
اليوم يمثل بادئة السقوط الذي طال كل شيء في دولة اليمنيين وذاكرتهم أيضا، وما
يذكر 21 سبتمبر إلا وحضرت معه سلسلة طويلة من وقائع السقوط، سقوط الدولة والجيش
والأمن، سقوط البرلمان والحكومة، إغلاق السفارات والمنظمات والبعثات والأحزاب
والنقابات والصحف والفضائيات والبنوك والمدارس والجامعات، الانقضاض على الممتلكات
وتفجير المساجد وتدمير المساكن والتنكيل بالخصوم، وممارسة أبشع صور الانتقام ضد
المخالفين.
سيتذكر اليمنيون
جيدا هذا التاريخ، تاريخ الإجهاز على ما أنجزته الثورتان (سبتمبر62 وأكتوبر63)
والديمقرطية والتعددية والحوار الوطني والثورة الشعبية في 2011 ومصفوفة توافقات
القوى السياسية والمكونات المجتمعية خلال السنوات الأخيرة، وعلى أنقاض ذلكم الخراب
شرعت الجماعة المسلحة في تأسيس مملكتها المبتورة عن كل ما يحيط بها من ظروف
وعلاقات داخلية وخارجية، لكنها وثيقة الصلة والاتصال بمرجعيات شيعية داعمة لشبكة
الأذرع المسلحة في المنطقة على غرار حزب الله ونظام الأسد، وفق الإعلان الإيراني
الذي ابتهج بسقوط صنعاء تحت سنابك خيول الإمامة الحوثية مانحا إياها لقب
"العاصمة الرابعة" في ترتيب السقوط في المستنقع الطائفي المقيت!!
وكان على إيران
المُبتهجة بسقوط صنعاء أن تتكفل بتقديم كل أشكال الدعم حفاظا على هذا
"السقوط"، وسعت طهران بكل ما أوتيت من قوة لاستثمار السقوط ذاته في
تهديد جيران اليمن وأشقائه وجيرانه، وتوجهت الوفود الحوثية إلى طهران وقم وأصفهان
بحثا عن الدعم والإسناد اللازم لمواصلة مسيرة السقوط.
وبقدر ما كان
اليمنيون وأشقاؤهم وشركاهم في الإقليم والمنطقة والعالم يحاولون استعادة الدولة
كانت إيران وأتباعها تعمل جاهدة للمحافظة على السقوط الذي رأت فيه ورقة رابحة ترفع
من رصيدها الإقليمي وتحقق من خلالها بغيتها في صب مزيد من الزيت على نار الخلافات
المذهبية في منطقة الشرق الأوسط المتخم بما يكفي من عوامل الصراع ومهددات السلام.

تعليقات
إرسال تعليق