26 سبتمبر 2021
يوم أعلن اليمنيون ميلاد عهد جديد يطوي عهود الإمامة والظلام
بيان ثورة سبتمبر:
هذا يومنا والله ناصرنا
فؤاد مسعد- 26سبتمبر
"أيها الإخوة الثوار، لقد دقت ساعة العمل الثوري، وأتى اليوم الذي ظل الشعب اليمني ينتظره طويلاً، بعد أن عانى وضحى كثيراً، وإن الواجب الوطني يحتم على الجميع التحرك لتفجير الثورة ضد الحكم الإمامي الغاشم، هذا يومنا والله ناصرنا"، بهذه الكلمات افتتح الثائر البطل/ صالح الأشول – عضو اللجنة القيادية في تنظيم الضباط الأحرار اجتماع توزيع المهام بين قادة الثورة، مساء الخامس والعشرين من سبتمبر 1962.
وبعدها تحرك أبطال الجيش من مقر القيادة في الكلية الحربية لتنفيذ المهام الموكلة إليهم، بعدما تم توزيعهم على مجموعات، تحركت أول مجموعة نحو وكر الاستبداد والحكم الإمامي في قصر البشائر، حيث يقيم الإمام البدر وأعوانه وحاشيته، فيما تحركت المجموعة الثانية إلى مبنى الإذاعة، التي اعتبرها الثوار ثاني موقع استراتيجي في الأهمية بعد قصر البشائر، وحرص قادة الثورة على توفير الضمانات الكافية للسيطرة على الإذاعة وتأمينها، لأنها ستلعب دوراً حيوياً في التأثير ونقل صوت الثورة إلى الشعب اليمني والعالم أجمع.
وفي صباح اليوم الخالد في ذاكرة الشعب والتاريخ، في اليوم الذي طوى قروناً من التخلف والظلم والجهل والفقر والظلام، في اليوم الذي قال عنه شاعر اليمن الكبير الراحل/عبدالله البردوني:
أفقنا على فجر يومٍ صبي
فيا ضحوات المنى اطربي
أتدرين يا شمس ماذا جرى؟
سلبنا الدجى فجرنا المختبي
وسرنا حشوداً تطير الدروب
تبشر بالموسم الطيبِ
في صبيحة ذلك اليوم، السادس والعشرين من سبتمبر بدأ الإرسال الإذاعي بنشيد (الله أكبر يا بلادي كبري)، ليعلن على الدنيا بأسرها ميلاد عهد يمني جديد، عهد الثورة والحرية والانعتاق من براثن التخلف والإمامة، والتحرر من الحكم الإمامي المستبد، ودوى الصوت من الإذاعة لأول مرة في التاريخ : "هنا صنعاء، إذاعة الجمهورية العربية اليمنية، إذاعة الثوار .. إذاعة الأحرار".
أعلنت الإذاعة أن النظام الملكي الإمامي تدعى وسقط إلى الأبد، وتحركت جموع الثوار في كل من صنعاء وتعز والحديدة وإب وحجة وبقية المحافظات، وخرج اليمنيون يوم الثورة إلى الشوارع معلنين دعمهم وتأييدهم ومباركتهم للثورة العظيمة وانطلقت إذاعة الثورة تعلن لليمن والعالم بيان الثورة، متضمناً الأهداف السامية للثورة الخالدة والمبادئ التي صاغها الثوار انطلاقاً من إرادة الشعب اليمني وأحلامه في الحرية والعدالة والمساواة، وبما يتواكب وروح العصر ويخرج اليمن واليمنيين من العزلة التي فرضتها عهود الحكم الإمامي القائم على العنصرية والدجل والتضليل والخرافة.
لقد كانت مبادئ وأهداف ثورة سبتمبر خلاصة نضال أجيال من اليمنيين في مواجهة الحكم المستبد بكل مساوئه وسيئاته التي لا حصر لها، واشتمل البيان الأهداف الستة التالية:
التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وإذابة الفوارق والامتيازات بين الطبقات.
بناء جيش وطني قوي لحراسة البلاد وحماية الثورة ومكاسبها.
رفع مستوى الشعب اقتصادياً وسياسياً وثقافياً.
إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل مستمد أنظمته من روح الدين الإسلامي الحنيف.
العمل على تحقيق الوحدة الوطنية، في نطاق الوحدة العربية الشاملة.
احترام مواثيق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والتمسك بمبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والعمل على إقرار السلام العالمي ودعم مبدأ التعايش السلمي بين الأمم.
أهداف ثورة سبتمبر
جاءت الأهداف معبرة عن الإرادة اليمنية والقيم والمبادئ السامية التي تجسدت في نضال الحركة الوطنية ضد أئمة الجهل والخرافة والحقد والعنصرية وأدعياء الحق الإلهي باسم الدين والسلالة التي ترى نفسها فوق الشعب والوطن، فئة تعتقد أن الله فضلها على بقية اليمنيين، وأن الحكم والسلطة لها دون غيرها، وتعتقد أن من ينازعها في دعواها ويطالب بأبسط حقوقه فهو عدو مارق وشيطان متمرد، يجب قتاله والقضاء عليه ونهب أمواله وتفجير منزله باعتباره خارج عن الدين وخائن لله ورسوله والإمام الذي يسمي نفسه أمير المؤمنين.
لذلك جاء أول أهداف الثورة مؤكداً التحرر من الاستبداد، ذلك أنه لا يستطيع اليمن النهوض من كبوته ومغادرة كهوف العزلة ما لم يتحرر من الاستبداد الإمامي الذي يعطل كل حركة ويقضي على آمال الشعب في الانطلاق نحو حياة حرة وعيش كريم، وبقدر ما كان الاستبداد حليفاً مخلصاً للاستعمار الأجنبي، ولأن هذا الأخير كان لا يزال جاثما على جنوب الوطن الغالي فقد اقترن التحرر من الاستبداد بالتحرر كذلك من الاستعمار، إذ أن استبداد الإمامة المسيطر على شمال اليمن، طالما ظل يهادن الاستعمار البريطاني الجاثم على الجنوب، وقد أبرم الطرفان كثيراً من الاتفاقيات والمعاهدات لضمان مصالحهما وعلى حساب الشعب اليمني وسيادته وسلامة أرضه، لذلك توحدت إرادة اليمنيين شمالاً وجنوباً على الثورة ضد الاستعمار والاستبداد فهما وجهان لعملة واحدة.
وفي السياق ذاته وضع الثوار البديل الوطني للاستبداد والاستعمار، متمثلاً بكل وضوح في إقامة حكم جمهوري عادل، لا مكان فيه لأدعياء حق الحكم باسم السلالة ولا أوصياء الاحتلال الأجنبي ومندوبيه وعملائه الذين ظنوا أن الشعب سيبقى خانعاً خاضعاً يقبل الضيم ويتحمل الظلم ويعيش عمره تحت رحمة سياط الجلادين، سواء أكانوا من بني جلدته أو من القادمين من وراء البحار بحثاً عن الثروات واستغلال الشعوب ومقدراتها في سبيل مصالح القوى والامبراطوريات الطامعة.
ولم يغفل الثوار أهمية استكمال استحقاقات العيش الكريم المرتبط بالحكم الجمهوري العادل، ويتجلى في التأكيد على إذابة الفوارق والامتيازات بين الطبقات، إذ لا يستقيم وجود حكم عادل بينما المجتمع تنخره العنصرية وتدمره الاعتبارات والفوارق والامتيازات الباطلة التي يدعيها أتباع السلالة الذين يرون أنهم طبقة فوق الطبقات، وجميع الطبقات مجرد خدم ورعايا ليس لهم أي حق، والواجب عليهم خدمة السادة الذين يستأثرون بكل الحقوق، ويمنعون غيرهم أي حق، ولا يستوي حكم عادل إلا في مجتمع يقوم على العدل والمساواة، يتساوى أبناؤه في الحقوق كما يتساوون في الواجبات، يتساوون جميعاً أمام القانون الذي يكفل للجميع نفس الحقوق والواجبات نفسها.
ويأتي الهدف الثاني متضمناً بناء جيش وطني قوي مهمته حراسة البلاد وحماية الثورة، إدراكاً من قادة الثورة الذين كانوا في الغالب من خيرة أبناء الجيش، لأهمية وجود مؤسسة وطنية قوية وقادرة على القيام بالمهام الجليلة، المهام التاريخية التي يضطلع بها الأقوياء والمخلصون لأمتهم ووطنهم حينما تتعرض حدود الوطن لأي عدوان أو حينما تتعرض الثورة لمحاولات النيل منها من قبل أعدائها المتربصين بها، والحاقدين عليها والناقمين عليها لأنها وضعت حداً لأطماعهم وأوقفت جرائمهم بحق الشعب والتاريخ اليمني. ويحن تضعف قوة الحراس وتتراخى همتهم لابد أن تأتي قوى الظلام لتحاول استعادة أمجادها التي قامت في الزمن الغابر على حساب اليمنيين.
ولاشك أن التحرر من أنظمة الحكم المرتبطة بالاستبداد والاستعمار ومن ثم إقامة الحكم الجمهوري العادل على أساس المساواة والمحروس بمؤسسة وطنية قوية، سيؤتي ثماره من خلال رفع مستوى الشعب في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية بما يجعله جديراً بممارسة حقه في السلطة والثروة واتخاذ القرار وصناعة مستقبله، وبدون رفع مستواه يظل عاجزاً عن معرفة حقوقه وأكثر عجزاً عن الحصول على تلك الحقوق، وذلك هو الهدف الثالث من أهداف ثورة سبتمبر الخالدة.
أما الهدف الرابع فجاء أكثر ارتباطاً بالهدف الثالث واتساقاً مع مضامينه، إذ أن الارتفاع بمستوى الشعب اقتصادياً وسياسياً وثقافياً كفيل بإقامة مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل، فالتحرر من كل قيم الماضي المتخلف ومعاييره الباطلة وموازينه المختلة لاشك أنه قادر على إقامة مجتمع تسوده روح المحبة والتعاون على قيم الخير والحق والتعايش التي يشعر الجميع أنهم متساوون جميعاً في ظل دولة تطبق القانون على الجميع، وبالتالي فلا مكان للضغائن التي تغذيها الممارسات العنصرية وخطابات الاستعلاء على أساس العرق أو اللون أو المذهب أو الطائفة أو المنطقة أو السلالة والأسرة والعشيرة.
وعلى الصعيد الوطني تحضر الوحدة الوطنية كهدف نبيل لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه، لأن وحدة النضال عززت وحدة الموقف ووحدة الخطاب الثوري، وبالتالي جاءت الوحدة في طليعة الأهداف التي صاغها الثوار في الشمال وفي الجنوب، في داخل الوطن وخارجه، لم تتنكر أي حركة وطنية للوحدة اليمنية ولم يغفلها أي ثائر، لقد ظلت الوحدة حلم الأجيال وقدس الأقداس بالنسبة للثوار اليمنيين، ثوار سبتمبر وثوار أكتوبر على حد سواء.
وفي التأكيد على حضور البعد القومي للثوار اليمنيين ربطت أهداف الثورة بين الوحدة الوطنية بالوحدة العربية الشاملة التي ارتبط في وعي الثوار والأحرار في كل أرجاء الوطن العربي من الخليج إلى المحيط، ولم يكن ثوار سبتمبر إلا جزءاً من ثورة الوعي والحرية والكرامة العربية التي ناهضت الاستبداد والاستعمار وأكدت على وحدة المصير والقضية انطلاقا من وحدة الأرض والوطن واللغة.
وعلى الصعيد الدولي أعلنت ثورة سبتمبر مبادئها واضحة لا غموض فيها، عبرت عنها في أربعة مضامين رئيسية هي: احترام مواثيق الأمم المتحدة، والتمسك بمبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والعمل على إقرار السلام العالمي، ودعم مبدأ التعايش السلمي بين الأمم.

تعليقات
إرسال تعليق