القائمة الرئيسية

الصفحات

الهاشميون في اليمن والصراعات السياسية

 


قام هاشميو حضرموت والحديدة وعدن بدور علمي وتنويري في أوساط مجتمعاتهم، أما الهاشميون في صعدة فكان لهم وضع آخر، حيث أشعلوا كثيراً من الصراعات السياسية على السلطة، وفي بعض الصراعات كانوا جزءاً منها - فالهادي يحيى بن الحسين أول القادمين منهم إلى اليمن وهو جدّ الغالبية منهم، ارتبط قدومه بالصراع الذي كان محتدماً بين القبائل اليمنية، خاصة قبائل خولان. لذلك ارتبط الحديث عنهم بالصراعات السياسية في اليمن.
وقد اتخذوا من دعوى الانتساب لبيت الرسول وسيلة لتحقيق غايتهم في الاستئثار بالسلطة، وأخذ كل من وجد في نفسه القوة يدّعي الإمامة ويدعو أتباعه لقتال الأئمة الآخرين، وكانت مدينة صعدة- في الغالب معقلهم الرئيس، وقد تتوسع سلطاتهم إلى عمران وصنعاء وذمار، ولكنها سرعان ما تنحسر تحت ضغط عدو من خارج مناطق سيطرتهم أو خصم يظهر من داخل مناطق النفوذ ومن السلالة نفسها، وجميعهم ينطلقون من نظرية الهادي المعروفة بالنظرية الهادوية، ولها ركنان رئيسيان: الدعوة بمعنى "الإمامة"، ويكفي أن يكون الشخص من سلالة الحسن أو الحسين ليعلن نفسه إماماً، والركن الثاني هو الخروج، أي الجهاد وإعلان الحرب على كل من يقف في طريق إمامته.
وبالنظر إلى ظروف زيارة يحيى بن الحسين الأولى لليمن في العام 280 هـ (أواخر القرن التاسع الميلادي)، وما قام به من عرض لدعوته على القبائل، يتبين أن دعوته لم تحظ بالقبول والتأييد، فاضطر لمغادرة اليمن، لكنه عاد مرة أخرى بعد 4 سنوات، وكان معه هذه المرة وفد من بني سعد وآل فطيمة من خولان، وصلوا إلى مقره في جبل الرس، وأظهروا مناصرته وتأييد فكرته، بينما هم في الحقيقة استدعوه للاستعانة به ضد خصومهم بني ربيعة الذين ظلوا على ولائهم للدولة العباسية ، ما يعني أن الهادي كان مجرد أداة للصراع قررت بعض القبائل استخدامه لحرب قبائل أخرى.
أخذ الهادي المذهب الزيدي عن طريق جده القاسم الرسي، ونشره في اليمن، وصارت زيدية اليمن على مذهبه، على أن الهادي كان له رأي في الإمامة يختلف عن رأي الإمام زيد، فهو يربط بين النبوة والإمامة، ويجعل الاعتراف بإمامة علي بن أبي طالب، جزءاً من الاعتراف بنبوة محمد، وبذلك يقترب من مذهب الإمامية، حيث يرى أن إمامة علي وولديه الحسن والحسين ثابتة بالنص، وينتقد خلافة أبي بكر وعمر، مخالفاً بذلك رأي الإمام زيد نفسه. وقد طغت آراء الجارودية على ما سواها من آراء لدى الزيدية في اليمن، إلى الحد الذي جعل العلّامة والمؤرخ اليمني نشوان الحميري، يجزم أنه ليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية.
سيطر يحيى بن الحسين على السلطة في صعدة وسط صراع مستمر مع القبائل التي ظلت تحاربه حتى وفاته، وتولى السلطة بعده أبناؤه لكنهم كانوا أضعف من مواجهة الرافضين والمعارضين، واستمر الصراع على السلطة، ولم يَكُف أبناء الهادي وأحفاده عن استخدام الدين ومزاعم أحقيتهم بالسلطة باعتبارهم من آل البيت، دون أن يتحقق لهم ما سعوا إليه بفعل وجود الأطراف القوية المتنافسة على السلطة.
ولم يـُـتحْ لليمن العيش بهدوء واستقرار إلا في فترات زمنية قليلة، ذلك أن نظام الإمامة الذي حصر حق الحكم في أبناء الحسن والحسين (البطنين)، جعل لكل من توافرت فيه شروط الانتماء للبطنين، أن يعلن نفسه إماماً على البلاد.
برزت الصراعات الداخلية بين أتباع الهادي من الهاشميين، ومنها ما حدث بين أحفاد الهادي المؤسس وبيت العياني، وحدث أن تقاتل الآباء والأبناء على السلطة، كما هو الحال في الحرب بين الإمام المتوكل يحيى شرف الدين وابنه المطهر، منتصف القرن السادس عشر الميلادي، وتقاتل الإخوة فيما بينهم كما حدث بين الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين مع أخويه عبدالله والعباس في خمسينيات القرن الماضي.
ودمغ الصراع الحياة السياسية والاجتماعية في اليمن بميسم الانقسام والاقتتال بين الطامحين والمتصارعين من أئمة المذهب الهادوي، حتى أرهق المجتمع وفقدت الدولة المركزية السيطرة وانجرفت البلاد إلى سنوات طويلة من الفوضى.
وقد اتخذ الصراع الدموي الذي خاضه الأئمة الهاشميون في اليمن أشكالاً مختلفة منها:
- الصراع مع المعارضة والمقاومة المحلية من القيادات القبلية مثل آل الضحاك وآل الدعام وآل الطريف، وغيرها.
- الصراع مع الدول اليمنية التي قامت في مناطق مختلفة من اليمن، الصليحية والحاتمية والرسولية والطاهرية وغيرها.
- الصراع مع الدول التي امتد نفوذها إلى اليمن مثل الأيوبيين والمماليك والعثمانيين في الفترة الأولى وفي الفترة الثانية كما خاضت الدولة الزيدية حرباً ضروساً ضد الإسماعيلية ومع أن الفرقتين الزيدية والإسماعيلية تتبعان المذهب الشيعي، إلا أن الدولة الهادوية (الزيدية) في عهد الإمام الناصر بن الهادي، تحالفت مع الدولة الزيادية ودولة بني يعفر من أجل القضاء على الدولة الإسماعيلية.

مقتبس من دراسة للباحث/ فؤاد مسعد، بعنوان "مستقبل الهاشميين في اليمن"، نشرها مركز أبعاد للدراسات والبحوث- سبتمبر 2022
author-img
كاتب صحفي، وباحث ومدون، مهتم بالشؤون السياسية والاقتصادية. يكتب في عدد من الصحف والمواقع الإخبارية اليمنية والعربية.محلل سياسي في عدد من القنوات الفضائية ووكالات الأنباء العربية والعالمية.صدر له كتاب (الثورة اليمنية والانقلاب والحرب)، أبريل 2020. ودراسة بحثية عن الصراعات السياسية في اليمن، مايو 2020. كما صدر له دراستان في الفلسفة: الأولى (منظور بيجوفيتش بين الدين والفلسفة) أكتوبر 2015.والثانية (الإسلام في المنظور الفلسفي لهيجل). نوفمبر 2015.وصدر له ديوان شعر بعنوان (مواعيد الغروب) 2025..

تعليقات